محمد بن جرير الطبري

165

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ . وقال بعضهم : إنما قالت الملائكة ما قالت : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ لأَن الله أذن لها في السؤال عن ذلك بعد ما أخبرها أن ذلك كائن من بني آدم ، فسألته الملائكة فقالت على التعجب منها : وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم فأجابهم ربهم : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ يعني أن ذلك كائن منهم وإن لم تعلموه أنتم ، ومن بعض من ترونه لي طائعا . يعرفهم بذلك قصور علمهم عن علمه وقال بعض أهل العربية : قول الملائكة : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها على غير وجه الإِنكار منهم على ربهم ، وإنما سألوه ليعلموا ، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبحون . وقال : قالوا ذلك لأَنهم كرهوا أن يعصى الله ، لأَن الجن قد كانت أمرت قبل ذلك فعصت . وقال بعضهم : ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك ، فكأنهم قالوا : يا رب خبرنا ؛ مسألة استخبار منهم لله لا على وجه مسألة التوبيخ . قال أبو جعفر : وأولى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه مخبرا عن ملائكته قيلها له : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ تأويل من قال : إن ذلك منها استخبار لربها ؛ بمعنى : أعلمنا يا ربنا ، أجاعل أنت في الأَرض من هذه صفته وتارك أن تجعل خلفاءك منا ، ونحن نسبح بحمدك ، ونقدس لك ؟ لا إنكار منها لما أعلمها ربها أنه فاعل ، وإن كانت قد استعظمت لما أخبرت بذلك أن يكون لله خلق يعصيه . وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بالسؤال عن ذلك فسألته على وجه التعجب ، فدعوى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل ولا خبر بها من الحجة يقطع العذر ، وغير حائز أن يقال في تأويل كتاب الله بما لا دلالة عليه من بعض الوجوه التي تقوم بها الحجة . وأما وصف الملائكة من وصفت في استخبارها ربها عنه بالفساد في الأَرض وسفك الدماء ، فغير مستحيل فيه ما روي عن ابن عباس وابن مسعود من القول الذي رواه السدي ووافقهما عليه قتادة من التأويل . وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعل في الأَرض خليفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا ، فقالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها على ما وصفت من الاستخبار . فإن قال لنا قائل : وما وجه استخبارها والأَمر على ما وصفت من أنها قد أخبرت أن ذلك كائن ؟ قيل : وجه استخبارها حينئذ يكون عن حالهم عن وقوع ذلك ، وهل ذلك منهم ؟ ومسألتهم ربهم أن يجعلهم الخلفاء في الأَرض حتى لا يعصوه . وغير فاسد أيضا ما رواه الضحاك عن ابن عباس وتابعه عليه الربيع بن أنس من أن الملائكة قالت ذلك لما كان عندها من علم سكان الأَرض قبل آدم من الجن ، فقالت لربها : أجاعل فيها أنت مثلهم من الخلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون ؟ على وجه الاستعلام منهم لربهم ، لا على وجه الإِيجاب أن ذلك كائن كذلك ، فيكون ذلك منها إخبارا عما لم تطلع عليه من علم الغيب . وغير خطأ أيضا ما قاله ابن زيد من أن يكون قيل الملائكة ما قالت من ذلك على وجه التعجب منها من أن يكون لله خلق يعصي خالقه . وإنما تركنا القول بالذي رواه الضحاك عن ابن عباس ووافقه عليه الربيع بن أنس